عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

40

اللباب في علوم الكتاب

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [ البقرة : 223 ] وهو يتناول المؤمن والكافر ، والرؤية لا تثبت

--> - فضلا عن القرآن الكريم الذي بلغ حد الإعجاز . الاعتراض الثاني : وهو منع الاستثنائية أيضا - أن موسى - عليه السلام - لم يسأل رؤية ذاته ، بل سأله رؤية أمارة وعلامة من الأمارات الدالة على الساعة ، ومعنى الآية : أرني أمارة وعلامة من علاماتك ، أنظر إلى علاماتك على حد قوله - تعالى - : « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ » أي : واسأل أهل القرية ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه ، وهذا تأويل لا يسيغه عقل سليم ، فهو أولا : مخالف للظاهر بلا ضرورة . ثانيا : الجواب ب ( لن تراني ) إن كان محمولا على نفي ما وقع السؤال عنه ؛ من رؤية الأمارة والعلامة ، فلقد أراه أعظم الآيات والعلامات ؛ وهي تدكك الجبل . وإن كان محمولا على نفي رؤية ذاته ، لم يكن الجواب مطابقا للسؤال ، وهذا لا يتفق وبلاغة القرآن . ثالثا : الرؤية المعلقة على الاستقرار ، إن كانت محمولة على الآية والعلامة ، فباطل ؛ لأن الآية والعلامة في تدكك الجبل لا في استقراره ، وإن كانت محمولة على الرؤية ، فلا تكون مرتبطة بالسؤال . رابعا : لو كان السؤال على رؤية آية تدل على قيام الساعة ، لأعطاه تلك الآية ؛ كما أعطاه غيرها ؛ إذ لا مانع لمنعه من ذلك ، كيف وقد أعطاه من الآيات ما لا غاية بعدها ؛ كالعصا ، واليد ، والطوفان ، وغير ذلك ؛ وبالجملة فهذا التأويل لا وجه له . الاعتراض الثالث : وهو منع الملازمة ولو لم تكن الرؤية جائزة ، ما طلبها . قالوا : إن موسى - عليه السلام - سأل ربه رؤية ذاته ، وليس في ذلك ما يدل على إمكانها ؛ لأنه لم يسأل لنفسه ؛ لعلمه بامتناعها ، بل سألها لقومه عندما قالوا : « لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً » فسألها ربه وهو عالم بأنه سيمنع منها ، وإنما نسبه لنفسه ، ليمنع هو منها ، فيعلم قومه امتناعها بالنسبة إليهم بالطريق الأولى ، وفي هذا مبالغة بقطع دابر اقتراحهم ، كما أن أخذ الصاعقة لهم عقب سؤالها دليل ظاهر على استحالتها . وأجيب على هذا الاعتراض بعدة أجوبة . أولا : أن الآية صريحة في أنه طلبها لنفسه لا لقومه ، وإلا يقال : أرهم ينظروا إليك ، ولقال الله تعالى : لن يروني ، فالعدول عن ذلك خلاف الظاهر ، ولا دليل يدل عليه . ثانيا : لو كان الغرض من السؤال إظهار امتناعها لهم كما يقول المعتزلة ، لكان الأليق في الجواب أن يكون بما يدل على الامتناع ، وليس كذلك ، فإن « لَنْ تَرانِي » إنما يدل على نفي الوقوع للمخاطب ، لا على نفي الإمكان . ثالثا : لو كان الغرص من سؤال موسى - عليه السلام - الرؤية زجر القوم وردعهم عن طلب ما لا يليق بجلال الله تعالى ، لكان موسى عليه السلام عابثا في طلبه هذا ؛ لأنهم زجروا عن طلبها حين قالوا : « لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً » بأخذ الصاعقة لهم ، فتبينوا امتناعها ، فيكون قول موسى عليه السلام « رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » سؤالا لنفسه لا لقومه ، على أن هذا السؤال ليس بمفيد لهم ؛ لأن هؤلاء إن كانوا مؤمنين ، كفاهم قول موسى : إنها ممتنعة ، بل كان الواجب عليه أن يزجرهم ويردعهم عن طلب ما لا يليق بجلال الباري - تعالى - ، كما هو شأنه ؛ فقد قال لهم : « إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ » حينما قالوا : « اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ » وإن كانوا كافرين معاندين منكرين ، لم يكفهم قول موسى - عليه السلام - : إنه - تعالى - أخبر بامتناعها ، بل هذا قول افتريته على الله - تعالى - وكيف يقبلون مجرد إخباره مع إنكارهم الأخبار المؤيدة بالمعجزات الباهرة ، والتعليل بأنه يجوز أن يسمعوا كلام الله بآذانهم ، ويكون هناك -